اسماعيل بن محمد القونوي

44

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهو قريب حقيقة والقبر أول منازل الآخرة اخره لأنه خلاف الظاهر ولأنه القيامة الوسطى والمراد القيامة الكبرى . قوله : ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ [ النبأ : 40 ] ) ظرف مستقر صفة لمقدر أي قريبا كائنا يَوْمَ يَنْظُرُ [ النبأ : 40 ] الآية وجوز كونه بدلا من عذابا إذ الظاهر أنه بدل الاشتمال والضمير محذوف أي يومه وأما تعلقه بقريبا على أنه ظرف لغو فليس بمستحسن إذ اليوم عبارة عن الأمر الممتد فيكون العذاب واقعا فيه بالفعل لا قريبا بالوقوع إذ المراد به يوم الآخر والمراد به من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار كذا قاله المصنف في أوائل البقرة وقد صرح في مواضع أن المراد باليوم في مثل هذا الأمر الممتد فظهر ضعف ما قيل إنه لو كان ظرفا لغوا فلا حاجة إلى توجيه القرب لأنه في ذلك اليوم قريب لا فاصل بينه وبين المرء والقول بأن المراد باليوم الزمان المتناهي الذي يقع فيه النظر المذكور بعيد لأنه خلاف الاستعمال كما عرفته وأما القول بأنه إذا تعلق به فالمراد به بيان قرب اليوم كما في قوله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [ القمر : 1 ] فضعيف لأن قريبا صفة عذابا . قوله : ( يرى ما قدمه من خير أو شر ) يرى من الرؤية البصرية لأنه معنى ينظر لكنها للمبالغة أي يعلم علما كالرؤية في القوة إذا كثر ما قدمه ليس بمرئي بل كله ليس بمبصر فلا تغفل . قوله : ( والمرء عام ) إذ النظر عام للفريقين والظاهر أن يبقى العام على عمومه . قوله : ( وقيل هو الكافر لقوله : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ [ النبأ : 40 ] فيكون الكافر ظاهرا قوله : والمرء عام وقيل هو الكافر لقوله : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ [ النبأ : 40 ] وجه كونه قرينة لإرادة الكافر بالمرء أنه خطاب بثبوت الإنذار بعذاب الآخرة وهذا خطاب وارد على أسلوب قوله : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 30 ] الوارد في حق الكفار وهذا متصل بذلك في المعنى وقع بينهما ذكر أحوال المتقين قال الطيبي رحمه اللّه إن النظم يساعد العموم في المرء وذلك أنه تعالى ذكر في فاتحة هذه السورة الكريمة أن الميقات المضروب هو يوم الفصل ووصف اليوم بصفات متعددة ومن أوصافه قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً [ النبأ : 21 ، 22 ] وقوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً [ النبأ : 31 ] ولما فرغ من بيان جزاء الفريقين أراد أن يرجع إلى ذكر ذلك اليوم ويصفه بصفات أخرى فجعل التخلص إلى ذكرها إبدال رب السماوات من ربك ووصف ذاته بالجبروت والكبرياء وأن واحدا لا يملك منه خطابا وجعله ذريعة إلى ذكر اليوم وأن الملائكة والروح لا يشفعون فيه للمرتضى إلا بالاذن ثم ذكر أنه يوم الحق أي الكائن الواقع أو يحكم اللّه فيه بالحق كقوله تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [ الزمر : 69 ] وهذا أولى لما سبق من ذكر المتقين والطاغين وبيان مَفازاً [ النبأ : 31 ] أولئك ومآب هؤلاء وكذلك رتب عليه قوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [ المزمل : 19 ] أي بينا السبيلين للفريقين فمن سلك سبيل المتقين واتخذ إلى ربه مآبا فاز وأفلح ومن اختار سبيل الطاغين خاب وخسر فقد أزحنا العلل لأنا أنذرناكم عذابا قريبا وجعل تخلصا إلى ذكر الاختتام بما افتتحت السورة لأن الظرف صفة لعذابا أي أنذرناكم عذابا كائنا يوم هذا شأنه وهو نظر المرء ما قدمت يداه مثله في الاختتام فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ